داود القيصري

164

شرح تائية ابن الفارض الكبرى

علم بالضرورة أنه من الدين كالإيمان باللّه وصفاته وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . والنوع الثاني : وهو المعاني الذي يفهم أهل اللّه بالكشف من باطن رسول اللّه ( صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم ) ، وهذا الفهم يتفاوت في الدرجات . فإن للقرآن ظهرا وبطنا إلى سبعة أبطن ، وفي رواية إلى سبعين بطنا ، وقال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم ) : « إن للقرآن ظهرا وبطنا ، ولكل منهما حدا ومطّلعا » « 1 » فظهره مستفاد من ظاهر اللفظ ، وبطنه يتعلق بالفهم والفقه ، كما قال ( عليه الصلاة والسلام ) في ابن عباس : « اللهم فقهه في الدين » « 2 » أي فهمه . والحد : ما به ينتهي الفهم ؛ والمطلع : ما يحصل بالكشف الكلي والتجليات الأسمائية والصفاتية والذاتية لأكابر الأولياء . وهذا التأويل لا يكون إلّا للراسخين في العلم باللّه وأسمائه وصفاته ، لا في العلم بوضع اللغة والعربية والأصولين ( واختصاص علي ( رض ) من حضرة رسول اللّه ( صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم ) إنما كان بكمال العلم بهذا التأويل . لذلك قال ( عليه الصلاة والسلام ) : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » « 3 » . وقال علي ( رضي اللّه عنه ) : « لو كان لي إجازة لكتبت في بسم اللّه سبعين وقرا » . فقوله : « وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا » ، معناه : وأوضح للعارفين المحققين المستعدين لسماع أسرار التوحيد ، لا لكل أحد من أهل الظاهر ، فإنه ممنوع بقوله ( عليه الصلاة والسلام ) : « كلموا الناس على قدر عقولهم » « 4 » . ولهذا كان شيخ المشايخ رضي اللّه عنه في الخرقة والذكر وغيرهما من أنواع التكميلات . 624 - وسائرهم مثل النّجوم ، من اقتدى بأيّهم منه اهتدى بالنّصيحة 624 - أي : ضمن في هذا البيت معنى الحديث ، وهو قوله ( صلى اللّه عليه [ وآله ] وسلم ) : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » « 5 » ، أي : وسائر الصحابة مثل النجوم من اقتدى بواحد منهم اهتدى ببركة صحبته وصدور النصيحة منه عند اشتغال المقتدي بأمور الدنيا ومقتضيات الهوى .

--> ( 1 ) رواه ابن حبان بنحوه في صحيحه ( 1 / 276 ) ، وعبد الرزاق في المصنّف ( 3 / 358 ) ، والطبراني في الأوسط ( 1 / 236 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 66 ) ، وابن حبان ( 15 / 531 ) . ( 3 ) روي من طرق متعددة ، فانظر : رسالة الشوكاني حديث « أنا مدينة العلم . . . » بتحقيقنا . ( 4 ) رواه الحكيم ( 1 / 214 ) ، والبيهقي في الشعب ( 4 / 155 ) ، والديلمي ( 1 / 398 ) . ( 5 ) انظره في تلخيص الحبير ( 4 / 190 ) ، وخلاصة البدر ( 2 / 431 ) ، والكشف ( 1 / 147 ) .